السبت، 26 ديسمبر 2009

4 - أسماء الله الحسنى والإلحاد فيها


بسم الله الرحمن الرحيم


وأنه الرب الجليل الأكبـــــر الخالــــق البارئ والمصــــــور

بارئ البرايا منشئ الخلائق مبدعهــــم بلا مثـــال ســـابـــق


أسماء الله الحسنى هى التى أثبتها تعالى لنفسه وأثبتها له عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم وآمن بهاجميع المؤمنين , فقد قال تعالى : ( وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)الأعراف : 180, وقال تعالى : ( اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى) طه : 8 , وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لله تسعه وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة , وهو وتر يحب الوتر .

بعض العلماء إستخرج أسماء الله الحسنى من القرآن بدءا من الفاتحة : يا الله يا رب يا رحمن يا رحيم يا ملك , وأسماء الله عز وجل ليست بمنحصرة فى التسعة والتسعين المذكورة فى حديث أبى هريرة ولا فيما استخرجه العلماء من القرآن ولا فيما علمته الرسل والملائكة وجميع المخلوقين .


والله تعالى كل أسمائه سواء لم يزل كذلك ولا يزال , ولم تحدث له صفة ولا اسم لم يكن كذلك

, فالله عز وجل كان خالقا قبل المخلوقين , ورازقا قبل المرزوقين, وعالما قبل المعلومين .

إختلف العلماء فى معنى قوله صلى الله عليه وسلم : " من أحصاها " :

1 - أن يعدها حتى يستوفيها, بمعنى أن لا يقتصر على بعضها فيدعو الله بها كلها ويثنى عليه بجميعها , فيستوجب الموعود عليها من الثواب .

2 - المراد بالإحصاء الإطاقة , والمعنى من أطاق القيام بحق هذه الأسماء والعمل بمقتضاها وهو أن يعتبر معانيها فيلزم نفسه بمواجبها فإذا قال : الرزاق , وثق بالرزق وكذا سائر الأسماء .

3 - المراد بها الإحاطة بجميع معانيها , وقيل أحصاها عمل بها , فإذا قال :" الحكيم" سلم لجميع أوامره وأقداره وأنها جميعا على مقتضى الحكمة .

ويسوغ الإقتداء به كالرحيم والكريم فيمرن العبد نفسه على أن يصح له الإتصاف بها فيما يقوم به .

وما كان يختص به نفسه كالجبار والعظيم فعلى العبد الإقرار بها والخضوع لها وعدم التحلى بصفة منها .

والظاهر أن معنى حفظها وإحصائها هو معرفتها والقيام بعبوديتها كما أن القرآن لا ينفع حفظ ألفاظه من لا يعمل به .

فمن شهد مشهد علو الله تعالى على خلقه وفوقيته لعباده واستوائه على عرشه كما أخبر به نبيه وتعبد بمقتضى هذه الصفة بحيث يقف بين يديه وقوف العبد الذليل بين يدى الملك العزيز , فيشعر أن كلمه وعمله صاعد إليه معروض عليه فيستحى أن يصعد إليه من كلمه وعمله ما يخزيه أو يفضحه .


إسم الله " الله " جل جلاله هو الإسم الجامع ولهذا تضاف الأسماء الحسنى كلها إليه فيقال الرحمن الرحيم العزيز من أسماء الله , ولا يقال الله من أسماء الرحمن .

وقوله تعالى : ( وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ ) الأعراف : 180 .

أصل الإلحاد فى كلام العرب : العدول عن القصد والميل والجور والإنحراف , ومنه اللحد فى القبر لإنحرافه إلى جهة القبلة عن سمه الحفر .

الإلحاد ثلاثة أقسام :

**************

1 - إلحاد المشركين : عدلوا بأسماء الله تعالى عما هى عليه فسموا بها أوثانهم فزادوا ونقصوا , فاشتقوا اللات من الله , والعزى من العزيز ومناه من المنان .

2 - إلحاد المشبهة : الذين يكيفون صفات الله عز وجل ويشبهونها بصفات خلقه له تعالى وردا لقوله تعالى : ( ليس كمثله شئ ) وهو مقابل لالحاد المشركين , فأولئك جعلوا المخلوق بمنزلة الخالق وسووه به, وهؤلاء الخالق بمنزلة الأجسام المخلوقة وشبهوه بها تعالى وتقدس عن إفكهم .

3 - إلحاد النفاة وهم قسمان :

أ - قسم أثبتوا ألفاظ أسمائه تعالى دون ما تضمنته من صفات الكمال فقالوا رحمن رحيم بلا رحمة , عليم بلا علم .

ب - قسم صرحوا بنفى الأسماء وما تدل عليه من المعانى وصفوا الله تعالى بالعدم المحض الذى لا اسم له ولا صفة وهم فى الحقيقة جاحدون لوجود ذاته تعالى مكذبون بالكتاب وبما أرسل الله به رسله .

وكل هذه الأربعة كل فريق منهم يكفر مقابله .

وهم كما قالوا كلهم كفار بشهادة الله وملائكته وكتبه ورسله والناس أجمعين من أهل الإيمان الواقفين مع كلام الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه أجمعين .


نقلا عن كتاب : معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول فى التوحيد

للشيخ : حافظ بن أحمد حكمى

***********************************************************

الثلاثاء، 15 ديسمبر 2009

3- أقسام التوحيد


بسم الله الرحمن الرحيم



أول واجب على العبــــــــد معرفة الرحمن بالتوحيـــــد


إذ هو من كل الأوامر أعظم وهو نوعان أيا من يفهــــــم



أول واجب فرضه الله عز وجل على العبد هو معرفة الرحمن أى معرفتهم إياه بالتوحيد الذى خلقهم له , وأخذ عليهم الميثاق به , ثم فطرهم شاهدين مقرين به , ثم أرسله إليهم وأنزل به كتبه عليهم .



التوحيد نوعان :


************
الأول :
التوحيد العلمى الخبرى الإعتقادى المتضمن إثبات صفات الكمال لله عز وجل وتنزيهه فيها عن التشبيه والتمثيل , وتنزيهه عن صفات النقص .


وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات .

الثانى :

التوحيد الطلبى القصدى الإرادى , وهو عبادة الله تعالى وحده لا شريك له وتجريد محبته والإخلاص له وخوفه ورجاؤه والتوكل عليه والرضا به ربا وإلها ووليا وأن لا يجعل له عدلا فى شئ من الأشياء .

وهو توحيد الإلهية .


والقرآن كله من أوله إلى آخره فى تقرير هذين التوحيدين .


لأنه إما خبرعن الله عز وجل وما يجب أن يوصف به , وما يجب أن ينزه عنه وهو التوحيد العلمى الخبرى الإعتقادى .


وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه فهو التوحيد الطلبى الإرادى .

وإما أمر ونهى وإلزام بطاعته وذلك من حقوق التوحيد .

وإما خبر عن إكرامه لأهل التوحيد وما فعل بهم فى الدنيا من النصر والتأييد وما يكرمهم به فى الآخرة وهو جزاء توحيده .


وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم فى الدنيا من النكال وما يفعل بهم فى الآخرة من العذاب .


فالقرآن كله فى التوحيد وحقوقه وجزائه وفى شأن الشرك وأهله وجزائهم .


*************************************************************


التوحيد العلمى الخبرى الإعتقادى


*************************
إثبات ذات الرب جل وعلا قال تعالى : ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ)35( أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ)36 الطور , قال ابن عباس : هل خلقوا من غير رب فوجدوا بلا خالق , وذلك مما لا يجوز أن يكون لأن تعلق الخلق بالخالق من ضرورة الإسم فلابد له من خالق , فإن أنكروا الخالق لم يجز أن يوجدوا بلا خالق .


( أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) لأنفسهم وذلك فى البطلان أشدلأن ما لا وجود له كيف يخلق فإذا بطل الوجهان قامت الحجة عليهم بأن لهم خالقا فليؤمنوا به .

( أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ ) وهذا فى البطلان أشد فإن المسبوق بالعدم يستحيل أن يوجد بنفسه فضلا عن أن يكون موحدا لغيره وهذا إنكار عليهم فى شركهم بالله عز وجل وهم يعلمون أنه الخالق لا شريك له .

( بَل لَّا يُوقِنُونَ ) أى ولكن عدم إبقائهم هو الذى يحملهم على ذلك .

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ)20( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)21( وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ)22( وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ)23( وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)24 الروم .

من عظمة الله وكمال قدرته أنه خلق أباكم آدم من تراب ثم صوره فكان علقة ثم مضغة ثم صارعظاما شكله شكل إنسان ثم كسا الله تعالى تلك العظام لحما ثم نفخ فيه الروح فإذا هو سميع بصير , ثم أخرج من بطن أمه صغيرا ضعيف القوى والحركة ثم كلما طال عمره تكاملت قواه وحركاته حتى آل به الحال إلى أن صار يبنى المدائن والحصون ويركب متن البحور , ويكتسب ويجمع الأموال وله فكرة ورأى وعلم , فسبحان من أقدرهم وسيرهم وسخرهم وصرفهم فى فنون المعايش والمكاسب وفاوت بينهم فى العلوم والفكر والحسن والقبح والغنى والفقر والسعادة والشقاوة .


وخلق لكم من أنفسكم إناثا تكون لكم أزواجا ليحصل الإئتلاف بينهم , وجعل بينهم مودة ورحمة فالرجل يمسك المرأة إما محبة لها أو لرحمة بها بأن يكون لها منه ولد أو محتاجة إليه فى الإنفاق أو للألفة بينهما وغير ذلك .


ومن عظمة قدرته خلق السموات فى إرتفاعها وإتساعها وكواكبها ونجومها , والأرض فى إنخفاضها وكثافتها وما فيها من جبال وأودية وبحار وغيرها , وإختلاف ألسنتكم باللغات المختلفة وألوانكم أبيض وأسود وأحمر وغير ذلك من إختلاف الصفات .


ومن آياته أن جعل النوم فى الليل ففيه الراحة , وجعل لكم الإنتشار والسعى فى النهار , وكذلك يريكم البرق خوفا تارة وطمعا مرة , وإنزاله المطر بعد ذلك وغيره من الآيات.


نموذج لمناظرة بين رسل الله وأعدائه :


****************************


قال تعالى : ( أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللّهُ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ)9( قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) إبراهيم 9- 10 .


وهنا يحتمل شيئين :


1 - أفى وجوده تعالى شك , فإن الفطر شاهدة بوجوده ومجبولة على الإقرار به , ومجبولة على الإقرار به , فإن الإعتراف به ضرورى فى الفطر السليمة , ولكن قد يعرض لغيرها شك وإضطراب وأكثر ذلك علىسبيل المكابرة والإستهزاء , فيجب إقامة الحجة عليهم , ولهذا قالت لهم رسلهم ترشدهم إلى طريق معرفته فقالوا ( فاطر السموات والأرض ) الذى خلقهما , وشواهد الحدوث والخلق والتسخير ظاهرة عليهم فلابد من خالق وهو الله .


2 - أى أفى إلهيته شك وتفرده بوجوب العبادة وهو الخالق لجميع المخلوقات ولا يستحق العبادة إلا هو لا شريك له , فإن أغلب الأمم كانت مقرة بالخالق ولكن تعبد معه غيره من الوسائط التى يظنوها تنفعهم وتقربهم والجواب على هذا الإستفهام : لا , أى لا شك فيه .


********************************************************


نقلا عن كتاب : معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول فى التوحيد


للشيخ : حافظ بن أحمد حكمى


*************************************************************

الاثنين، 14 ديسمبر 2009

2 - معنى العبادة

بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم بأن الله جل وعـــــــــلا لم يترك الــخــلق سدى
بل خلق الخلق ليــــعـــــبدوه وبالآلــهــية يفـــــردوه
أخرج فيما قد مضى من ظهر آدم ذريــــتـــه كالــــذر
وأخذ العـــهد علـــيهــم أنـــه لا رب معبود بحق غيره
معنى العبادة:
***********
هو اسم جامع لكل ما يحبه الله تعالى ويرضاه من الأقوال والأفعال الظهرة والباطنة .
قال تعالى : ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ)172( أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ)173( وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)174 الآعراف , وعن أبى بن كعب رضى الله عنه قال : فجمعهم له يومئذ جميعل ما هو كائن منه إلى يوم القيامة فجعلهم فى صورهم , ثم استنطقهم فتكلموا وأخذ عليهم العهد والميثاق ( وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا ) , قال : فإنى أشهد عليكم السموات السبع والأرضين السبع وأشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة لم نعلم بهذا , اعلموا أنه لا إله غيرى ولا رب غيرى ولا تشركوا بى شيئا , وإنى سأرسل إليكم رسلا ليذكروكم عهدىوميثاقى وأنزل عليكم كتبى , قالوا نشهد إنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك , فأقروا له يومئذ بالطاعة ورفع آباهم آدم فنظر إليهم فرأى الغنى والفقير وحسن الصورة ودون ذلك , قال : يا رب لو سويت بين عبادك , قال : إنى أحببت أن أشكر .
قال البغوى فى تفسيره للآية :
إن الله تعالى أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء فى الترتيب فاستغنى عن ذكر ظهر آدم لما علم أنهم كلهم بنوه وأخرجوا من ظهره .
واختلفوا فى قوله تعالى : ( شهدنا ) قال بعضهم : هو خبر من الله عز وجل عن نفسه وملائكته أنهم شهدوا على إقرار بنى آدم , فإن قيل : كيف يلزم الحجوة واحدا لا يذكر الميثاق ؟ قيل : قد أوضح الله تعالى الدلائل على وحدانيتة , وصدق رسله فيما أخبروه , فمن أنكره كان معاندا ناقضا للعهد ولزمته الحجة , وبنسياهم وعدم حفظهم لا يسقط الإحتجاج بعد إخبار المخبر صاحب المعجزة .
وقوله تعالى : ( أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ) الآعراف:173
يقول إنما أخذ الميثاق عليكم لئلا تقولوا أيها المشركون إنما أشرك آباؤنا من قبل ونقضوا العهد وكنا ذرية من بعهدهم , فتجعلوا هذا عذرا لأنفسكم وتقولوا : أفتعذبنا بجناية آبائنا المبطلين ؟ فلا يمكن أن يحتجوا بذلك ويبين الله الآيات ليتدبرها العباد لعلهم يرجعون من الكفر إلى التوحيد .
وفى صحيح مسلم عن عياض بن حمار رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقول الله عز وجل : إنى خلقت عبادى حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم .
وكذلك حديث كل مولود يولد على الفطرة ---------- .
المواثيق كلها ثابته بالكتاب والسنة :
***************************
الأول :
الميثاق الذى آخذه الله تعالى حين أخرجهم من ظهر أبيهم آدم ( ألست بربكم قالوا بلى ) .
الثانى :
ميثاق الفطرة كما قال تعالى : ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) الروم : 30 , وهو الثابت فى حديث أبى هريرة عن الفطرة وغيره من الأحاديث .
الثالث :
هو ما جاءت به الرسل وأنزلت به الكتب تجديدا للميثاق الأول وتذكيرا به قال تعالى : ( رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً)النساء: 165, فمن أدرك هذا الميثاق وهو باق على فطرته التى هى شاهدة بما ثبت فى الميثاق الأول فإنه يقبل ذلك من أول مرة ولا يتوقف , لأنه جاء موافقا لما فى فطرته وما جبله الله عليه , فيزداد بذلك يقينه ويقوى إيمانه , ومن أدركه وقد تغيرت فطرته عما جبله الله عليه من الإقرار بما ثبت فى الميثاق الأول بأن كان قد إجتالته الشياطين عن دينه وهوده
أبواه أو نصراه أو مجسًاه هذا إن تداركه الله تعالى برحمته فرجع إلى فطرته نفعه الميثاق الأول والثانى , وإن كذب به كان مكذبا بالميثاق الأول فلم ينفعه إقراره به يوم أخذه الله عليه وقامت عليه الحجة وغلبت عليه الشقوة .
ومن لم يدرك الميثاق الثالث بأن مات وهو صغير قبل التكليف مات على الميثاق الأول على الفطرة , فإن كان من أولاد المسلمين فهم مع آبائهم , وإن كان من أولاد المشركين فالله أعلم بما كان عاملا لو أدركه كما فى الصحيحين عن ابن عباس رضى اله عنه قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين قال : الله تعالى إذ خلقهم أعلم بما كانوا عاملين .
************************************************************
نقلا عن كتاب : معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول فى التوحيد
للشيخ : حافظ بن أحمد حكمى

معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول فى التوحيد


بسم الله الرحمن الرحيم


إن الحمد لله , نحمده ونستعينه ونستغفره , ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا , من يهده الله فلا مضل له , ومن يضلل فلا هادى له , وأشهد أن لا إله إلا الله , وحده لا شريك له , وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .

نبدأ بحول الله وقوته تلخيص كتاب معارج القبول ,مع إضافة شرح وتفسير لبعض آيات من القراءن كما شرحتها لى معلمتى جزاها الله خيرا , وهو كتاب فى التوحيد للشيخ حافظ بن أحمد حكمى , والتوحيد ينقسم إلى قسمين :

1 - توحيد المعرفه والإثبات , وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات .

2 - توحيد فى الطلب والقصد , وهو توحيد الإلهية والعبادة .


أولا :

********

تعرف العبد بما خلق له , وبأول ما فرض الله تعالى عليه , وبما أخذ الله عليه به الميثاق فى ظهر أبيه آدم , وبما هو صائر إليه .

قال تعالى : ( خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)3( خَلَقَ الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ)4 النحل , يخبر الله تعالى عن خلقه العالم العلوى وهو السموات بما حوت , والعالم السفلى وهو الأرض وما حوت , وأن ذلك مخلوق بالحق لا للعبث , ثم نزه تعالى نفسه عن شرك من عبد معه غيره وهو المستقل بالخلق وحده لا شريك له , فلهذا يستحق أن يعبد وحده لا شريك له , ثم نبه تعالى على خلق جنس الإنسان من نطفة أى مهينة ضعيفة , فلما إستقل ودرج إذا هو يخاصم ربه تعالى ويكذبه ويحارب رسله , وهو إنما خلق ليكون عبدا لا ضدا .

قال تعالى : ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) المؤمنون : 115 , أظننتم أنكم مخلوقون عبثا بلا قصد ولا إرادة منا ولا حكمة لنا , وقيل للعبث أى لتلعبوا وتعبثوا كما خلقت البهائم لا ثواب ولا عقاب وأنكم لا تعودون فى الدار الآخره , لا , ليس الأمر كذلك, إنما خلقناكم للعبادة وإقامة أوامر الله عز وجل ثم نبعثكم ليوم لا ريب فيه , فنجازى كل عامل بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر , وهذا يقوله عز وجل لأهل النار توبيخا وتبكيتا بعد ما رأوا الحقائق عين اليقين , ثم نزه نفسه عما حسبوه , فقال تعالى : ( فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) المؤمنون :117 .

وقال تعالى : ( أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ) ص : 27 , أى لا نفعل ذلك ولا يستون عند الله , وإذا كان الأمر كذلك فلابد من دار أخرى يثاب فيها هذا المتقى ويعاقب فيها هذا الفاجر.

وقال تعالى : ( أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى ) القيامة : 36 , قال ابن كثير : أى ليس يترك فى هذه الدنيا مهملا لا يؤمر ولا ينهى ,. ولا يترك فى قبره سدى لا يبعث , بل هو مأمور منهى فى الدنيا محشور إلى الله فى الدار الآخرة .

بل خلق الله تعالى الخلق ليعبدوه بما شرعه على ألسنة رسله , وأنزل به كتبه , مع عبادتهم إياه لا يشركون بعبادته أحدا كائنا من كان , فمن عبد الله ألف سنة ثم أشرك به لحظة ومات على ذلك حبط جميع عمله وصار هباء منثورا .

قال تعالى : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) الذاريات : 56 , وقيل :

- أى إلا لآمرهم أن يعبدون وأدعوهم لعبادتى .

- إلا ليقروا بعبادتى طوعا أو كرها .

- إلا ليخضعوا إلىَ ويتذللوا .

معنى العبادة فى اللغة :

*******************

التذلل والإنقياد , فكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء الله متذلل لمشيئته , ولا يملك أحد لنفسه خروجا عما خلق عليه ذرة من نفع أو ضر .

فأما المؤمن فيوحده فى الشدة والرخاء , وأما الكافر فيوحده فى الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء .

والعبادة كما قالها شيخ الإسلام ابن تيمة :


العبادة هو اسم جامع لكل ما يحبه الله تعالى ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة .

وجماع العبادة كمال الحب مع كمال الذل .

يقول ابن القيم : إن هناك جنة فى الدنيا إن لم ندخلها لن ندخلها فى الآخرة , وهى التعرف على الله وذكره ومجالسته .

وهذا باب رحمه من الله أن نتعرف على الله وهذه نعمه نحمد الله عليها . والإنسان المحب حريص على إرضاء محبوبه ولله المثل الأعلى , فأن يخلقنا الله هذه نعمة , وأن نعبده هذه نعمة , وأعظم نعمة أن جعلنا مسلمين .

سيدنا عمر رضى الله عنه كان شديد فى الحق , قال للإمرأته : لأسلبنَك , قالت : هل ستسلبنى الإسلام , قال : لا , قالت : إفعل ما شئت .

إيمانها أيقنها أن أى شئ يحدث مقدر لها إلا أن ينزع منها إسلامها .


من كتاب : معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول فى التوحيد

للشيخ : حافظ بن أحمد حكمى